«أُمـة دَلوعــة»

وأقصد بـ (أمةأي بالجيل الجديد من الشباب والبنات،وأتحدث هنا خصوصًا وليس عمومًا.

فابتعادنا عن المشقْات وظهور أجيال جديدة لم تشهد أي لون من ألوان الاستعمار أو غيره، ساهم أكثر في صناعة ما أسميه (أمة دلوعةأومترفة.

والترف–  كما يعرفه الشيخ صالح المنجد -:مجاوزة الحد في الإعتدال، والإكثار من النعم.

والترف كما نعرف كان سببًا في هلاك الكثير من الأمم التي قبلنا، وحتى نكون أمة متميزة أرى أن نتحرك قليلًا ونحاول التعلم من تاريخنا العريق المليء بالانتصارات، والذي يحتوي على أخطاء عظيمة وربما كثيرة في ذات الوقت!

فشعب بلاد الأندلس كان يهتم أشد الإهتمام بالعمران، حيث أن بنو الأحمر أصحاب آخر معقل من معاقل المسلمين في الأندلس، كانوا يصرفون جُلّ أموال الدولة في بناء القصور والحدائق، ويطلبون المساعدات من الدول المجاورة أو الشقيقة.

كما أن أهل مدينة بلنسية خرجوا لمقابلة العدو وهم في ثياب الزينة والترفه!!،فأي شعب ذاك الذي يخوض معركة بثياب احتفال؟؟؟!.

ألا يدلنا هذا إن دل على استهتارهم التام بما قد يواجهونه؟، هم كما أظن وأعتقد أنهم كالطالب الذي يذهب إلى الإمتحان بثياب النوم..حيث أنه متواجد، ويمتحن، لكن عموم المشهد يدلنا على قيمة قد تكون مترسخة لديهم مسبقًا، ولدينا حاضرًا وهي الاستهتار.

حسنًا، ننتقل الآن من هنا إلى الجانب الآخر، حيث كانت الدولة العباسية ،بنفوذها الكبير وبثرواتها العظيمة لكن الترف أضعفها شيئًا فشيئًا، حتى مكن الأعداء منها، ثم قضى على جسدهاحيث أن المأمون وهو من آخر أقوياء الخلفاء، كمايقول د.محمد بن موسى الشريففي حفل زفافه إلى بوران بنت الحسن بن سهل، شاهدنا العظيم والعجيب جدًا من ألوان الترف، ولكم أن تبحثوا في هذه القصة أكثر، وأذكر لكم منها أن المأمون فُرش له حصيرًا منسوجًا بالذهب، فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلئ كثيرةوأترك لكم التأمل في معنى هذا الإسراف..

على هامش القصةألا تلاحظون معي أن كل من تفتح له أبواب الدنيا بثرواتها ونعيمها ينغمس فيها غالبًا؟، ولا أقصد أن الترف مرتبط بالغنى، أبدًا لافهنالك الكثير من الصحابة ممن كانوا يملكون ثروات هائلة وكبيرة، لكن أنفسهم كانت سامية عن الانغماس في هذه المللذات!. ركزوا معي في كلمة (انغماسفهي الحدالفاصل في رأيي بين الغني المترف، والغني المتواضع.

فعثمان بن عفان رضي الله عنه، موّل جيش العسرة بأكمله وتبرع بالعديد من القوافل، ولنا أن نقدر المبلغ بزمننا الحاضر، أهو مليون، مليار؟.. لايهم.

الأهم من هذا كله أن علينا أن ندرك أن ديننا الإسلامي لايدعونا إلى الفقر، لاولايدعونا إلى التعبد ليلًا  و نهارًا، فالعالم الغني أحبُّ إلى الله من العالم الفقير، والإسلام جاء ليربينا ويوازن لنا أمور حياتنا، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لوكان الفقررجلًا،لقتلتهـ.

أخيرًا و ليس آخرًا، أدركتم ؤخرًا بعد قراءتي لـ كتاب الترف للدكتور محمد بن موسى الشريف، أن الترف قد يكون من أكبر الأمراض التي تفتك بجسد الأة في وقتنا الحاضر!.

فالإسراف في الملبس،والمأكل والسيارات،والتوسع في صورالنكاح و أشكاله جربأمتنا إلى وضع لايحمد عقباه، ركزوا معي قليلًا وأطلقوا العنان لخيالكم البسيط، ألا ينافي الترف العدل؟، ألا ينافي الظلم المجتمع السليم؟، ألا يتنافى المجتمع الفاسد مع الحضارة والنهضة بأمتنا الإسلامية؟ألا يتنافى كل هذا مع مايدعونا الإسلام إليه؟.

حسنًا، سأذكر لكم أمثلة بسيطة ثم أختم، حيث أن التوسع في النوم يعد من أنواع الترف الجسدي!وكثرة النوم تجر إلى الكسل، والكسل لايُمكننا من إنجاز الكثير من الأمور، والترف في مستوى المعيشة يعلمنا التسويف والتباطؤ في قضاء الأمور، لكن لحظة!أنا لا أقصد بالترف في مستوى المعيشة للأغنياء فقط، فهنالك من يكون متوسط أو ميسور الحال، ومع ذلك تجده غارقًا في الترف.

الترف في قاموسي الخاص هوالانغماس في شيء ما، والتعلق به شديد التعلق ، وترك العمل والتهاون به في ذات الوقت!.

أليس انغماسنا الشديد في مشاعرنا يعد ترفًا؟، وأقصد بالشديد أي الشديد جدًا ،جدًا ،جدًا ،جدًا ،جدًا!

ختامًاقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: “لِيُنفِقْ  ذُو سَعَةٍ مِنْ  سَعَتِهِ، أي أن مقياس الصرف كما يقول د.علي العمري يكون بحسب المستوى المالي لكل شخص بشرط أن يحس الفقير بقربه إليه، ويحس الغني بقربه منه في ذات الوقتأي أن الإسلام يطلب منا العمل بعقولنا، والتوازن في أمرنا كله.

عافانا الله وإياكم من الإنغماس الشديد في الدنيا، وملذاتها ،ونراكم يوم أن تنهض أمتنا من جديد بإذن الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

16.4.2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في كتب, خواطر. حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to «أُمـة دَلوعــة»

  1. احمد بن هادي كتب:

    اولا يعطيك العافيه بكسر الكاف 🙂
    ثانيا: موضوع قليل من تطرق له وهذا يضفي لمسه خصوصيه لسندس
    ثالثا : ماذا لو اضفتي اثر الترف في كسل الناس بشكل لا يطاق

    اخيرا شكرا جزيلا والى الامام

  2. 🙂
    سعيدة أولاً بتدوينتك التي ذكرتِ فيها عثمان بن عفان لأني كنت عاتبة جداً على الكاتب لأنه أورد كل الزهاّد ولم يورد
    أي اسم للمنفقين الأغنياء كقدوة حيّة .
    ثانياً سعيدة لأني التقيت بكِ في فورشباب رغم أنكِ لم تتنبهي لي لكن الصدفة الجميلة جعلتنا نمر ببعضنا كثيراً كما أن
    تلخيصك يومها كان جميلاً
    ثالثاً فعلاً والله ياسندس كنت أكره ترف العمران في حضارتنا برغم جماله لكن كنت أشعر أنه يغطي على جوانب أخرى
    وبعد كتاب د.محمد جزاه الله خيراً ارتبطت الأمور ببعضها في عقلي و وعيت تماماً بعد مناقشة د.علي كيف ينهش الترف
    جسد الأمة وينهكها حدّ السقوط
    ولكن أظننا الآن نشهد صحوة جماعية ولكن ينقصنا الصحوة الفردية والتوعية فكثير منّا يتبرأ من الترف ظنّا منه أنه يتعلق
    بالغنى كما ذكرتِ وثمة من يعيشون في ترف وربما لا يملكون شيئاً من المال !

    ^^

  3. جميل جدا ما ذكرت.. وكما ذكر فإن هذا الموضوع قل من يطرحه ويذكر به ولعله بسبب الانغماس عافانا الله واياكم…
    الوسطيه المفقوده أصبحت ضالتنا في هذا الزمن الذي يغلب عليه الانغماس في كل شيء، حتى الحب…

    بوركت وبارك الله في فكرك وقلمك أخيه..

  4. اشعر بالفخر والشعور بالنشوة والتفاؤل فى مستقبل يعيش فيه امثال ابنتى الحبيبة سندس ، فهذا طرح من صميم مااهتم به فى اطروحاتى سواءا فى خطب الجمعة او حديثى مع ابنائى الشباب ان الترف فعلا من المشاكل الاساسية فى مجتمعنا السعودى ويحتاج الى تضافر جهود جميع الشباب للنقاش والوصول الى قناعات وليس فرض آراء فالى الامام ابنتى الحبيبة وفقك الله وحفظك من كل سوء

  5. يسرى كتب:

    حيث أن التوسع في النوم يعد من أنواع الترف الجسدي!وكثرة النوم تجر إلى الكسل، والكسل لايُمكننا من إنجاز الكثير من الأمور، والترف في مستوى المعيشة يعلمنا التسويف والتباطؤ في قضاء الأمور، لكن لحظة!أنا لا أقصد بالترف في مستوى المعيشة للأغنياء فقط، فهنالك من يكون متوسط أو ميسور الحال، ومع ذلك تجده غارقًا في الترف. >> راائعة ,,

    =)

  6. سعد كتب:

    موضوع رائع جداً ،، بصراحة شاغلني هالشيء من زمان
    الله يهدي ضال المسلمين ..

  7. محمد هيثم خياط كتب:

    مابالك تسرقين الكلام من على شفاهي 😀
    رائعة مبدعة منظمة في كلماتك استاذتنا سندس.. شكرا لك على طرحك لهذه الموضوع الحساس..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s